ابن أبي العز الحنفي
86
شرح العقيدة الطحاوية
عُجابٌ ص : 5 . لكنهم ما كانوا يقولون : ان معه إلها جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً ، وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً ، وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً النمل : 61 . بل هم مقرّون بأن اللّه وحده فعل هذا ، وهكذا سائر الآيات . وكذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة : 21 . وكذلك قوله في سورة الأنعام : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ الانعام : 46 . وأمثال ذلك . وإذا كان توحيد الربوبية ، الذي يجعله هؤلاء النظار ، ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد - : داخلا في التوحيد الذي جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، فليعلم أن دلائله متعددة ، كدلائل اثبات الصانع ودلائل صدق الرسول ، فان العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر ، رحمة من اللّه بخلقه . والقرآن قد ضرب اللّه للناس فيه من كل مثل ، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية ، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل ، فما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقا عليها ، استدل بها ، ولم يحتج إلى الاستدلال عليها . والطريقة الفصيحة في البيان أن تحذف ، وهي طريقة [ القرآن ، بخلاف ما يدعيه الجهال ، الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة ] برهانية ، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع ، فإنه يبينه ويدل عليه . ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم ، باعتبار اثبات خالقين متماثلين في الصفات والافعال ، وانما ذهب بعض المشركين إلى أن ثمّ خالقا خلق بعض العالم ، كما يقوله الثنوية في الظلمة ، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان ، وكما يقوله الفلاسفة الدّهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس ، أو الأجسام الطبيعية ، فان هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون احداث اللّه إياها ، فهم مشركون في بعض الربوبية ، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر ، بدون أن يخلق اللّه ذلك .